كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم

/ﻪـ 
البحث:

هدايا الموقع

هدايا الموقع

روابط سريعة

روابط سريعة

خدمات متنوعة

خدمات متنوعة
الصفحة الرئيسية > شجرة التصنيفات
كتاب: الحاوي في تفسير القرآن الكريم



قال مقيده عفا الله عنه وغفر له: أظهر أقوال أهل العلم عندي وأجراها على الأصول، هو قول من قال: إنه يكون مظاهرًا، ولو كانت التي شبه امرأته بظهرها غير مؤبدة التحريم، إذ لا حاجة لتأبيد التحريم، لأن مدار الظهار على تحريم الزوجة بواسطة تشبيهها بمحرمة وذلك حاصل بتشبيهها بأمرأة محرمة في الحال، ولو تحريمًا مؤقتًا لأن تحريم الزوجة حاصل بذلك في قصد الرجل، والعلم عند الله تعالى.
الفرع الثاني: في حكم ما قال لها: أنت عليَّ كظهر أبي أو ابني أو غيرهما من الرجال، لا أعلم في ذلك نصًا من كتاب، ولا سنة. والعلماء مختلفون فيه. فقال بعضهم: لا يكون مظاهرًا بذلك، قال ابن قدامة في المغني: وهو قول أكثر العلماء، لأنه شبيه بما ليس بمحل للاستماع فأشبه ما لو قال: أنت عَلَيَّ كما زيد، وهل فيه كفارة؟ على روايتين: إحداهما: فيه كفارة، لأنه نوع تحريم فأشبه ما لو حرم ماله. والثانية: ليس فيه شيء، ونقل ابن القاسم عن أحمد، فيمن شبه امرأته بظهر الرجال، لا يكون ظهارًا، ولم أره يلزم فيه شيء، وذلك لأنه تشبيه لامرأته بما ليس بمحل للاستماع، أشبه التشبيه بمال غيره. وقال بعضهم: يكون مظاهرًا بالتشبيه بظهر الرجل. وعزاه في المغني لابن القاسم صاحب مالك، وجابر بن زيد. وعن أحمد روايتان، كالمذهبين المذكورين، وكون ذلك ظهارًا هو المعروف عند متأخري المالكية.
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: الذي يظهر جريان هذه المسألة على مسألة أصولية فيها لأهل الأصول ثلاثة مذاهب، وهي في حكم ما إذا دار اللفظ بين الحقيقة العرفية والحقيقة اللغوية، على أيهما يحمل.
والصحيح عند جماعات من الأصوليين: أن اللفظ يحمل على الحقيقة الشرعية أولًا إن كانت له حقيقة شرعية، ثم إن لم تكن شرعية حمل على العرفية ثم اللغوية، وعن أبي حنيفة: أنه يحمل على اللغوية قبل العرفيو، وقال: لأن العرفية، وإن ترجحت بغلبة الاستعمال فإن الحقيقة اللغوية مترجحة بأصل الوضع.
القول الثالث: أنهما لا تقدم إحداهما على الأخرى بل يحكم باستوائهما فيكون اللفظ مجملًا لاستواء الاحتمالين فيهما فيحتاج إلى بيان المقصود من الاحتمالين بينة أو دليل خارج. وإلى هذه المسألة أشار في مراقي السعود بقوله:
واللفظ محمول على الشرعي ** إن لم يكن فمطلق العرفي

فاللغوي على الجلي ولم يجد ** بحث عن المجاز في الذي انتخب

ومذهب النعمان عكس ما مضى ** والقول بالإجمال فيه مرتضى

وإذا علمت ذلك، فاعلم أن قول الرجل لامرأته: أنت علَيَّ كظهر أبي مثلًا لا ينصرف في الحقيقة العرفية، إلى الاستمتاع بالوطء أو مقدماته، لأن العرف ليس فيه استمتاع بالذكور، فلا يكون فيه ظهار. وأما على تقديم الحقيقة اللغوية، فمطلق تشبيه الزوجة بمحرم ولو ذكرا، يقتضي التحريم فيكون بمقتضى اللغة له حكم الظهار، والظاهر أن قوله: أنت عليَّ كالميتة والدم، وكظهر البهيمة، ونحو ذلكن كقوله: أنت عَلَيَّ كظهر أبي فيجري على حكمه. والعلم عند الله تعالى.
المسألة الرابعة: اعلم أن قول الرجل لامرأته أنت عَلَيَّ حرام، أو إن دخلت الدار فأنت حرام، ثم دخلتها فيها للعلماء نحو عشرين قولًا كما هو معروف في محله.
وقد دلت آية الظهار هذه على أن أقيس الأقوال، وأقربها لظاهر القرآن قول من قال: إن تحريم الزوجة ظهار، تلزم فيه كفارة الظهار، وليس بطلاق.
وإيضاح ذلك: أن قوله: أنت عَلَيَّ كظهر أمي معناه: أنت عَلَيَّ حرام: وقد صرح تعالى بلزوم الكفارة في قوله: انت عَلَيَّ كظهر أمي، ولا يخفى أن أنت عَلَيَّ حرام مثلها في المعنى كما ترى.
وقال في المغني: وذكر إبراهيم الحربي عن عثمان وابن عباس: وأبي قلابة، وسعيد بن جبير، وميمون بن مهران، والبتي. أنهم قالوا: التحريم ظهار. اهـ.
وأقرب الأقوال بعد هذا لظاهر القرآن بكفارة اليمين، والاستغفار لقوله: {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحلَّةَ أَيْمَانكُمْ} [التحريم: 2] وقوله: {والله غَفُورٌ رَّحيمٌ} [البقرة: 218] و[آل عمران: 129] و[النساء: 25] و[الأنفال: 70] و[التوبة: 27] و[الحديد: 12] و[الممتحنة: 7] و[التحريم: 1] بعد قوله: لم تحرم الآية.
المسألة الخامسة: الأظهر أن قوله: أنت عندي أو مني أو معي كظهر أمي لا فرق بينه وبين قوله: أنت عليّ كظهر أمي فهو ظهار كما قاله غير واحد، وهو واضح كما ترى.
المسألة السادسة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال لامرأته: أنت عليَّ كأمي أو مثل أمي، ولم يذكر الظهر أنه لا يكون ظهارًا إلا أن ينوي به الظهار، لاحتمال اللفظ معاني أخرى غير الظهار، مع كون الاستعمال فيها مشهورًا، فإن قال: نويت به الظهار، فهو ظهار في قول عامة العلماء.
قاله في المغني، وإن نوى به أنها مثلها في الكرامة عليه والتوقير أو أنها مثلها في الكبر أو الصفة فليس بظهار والقول قوله في نيته. قاله في المغني.
وأما إن لم ينو شيئًا فقد قال في المغني: وإن أطلق، فقال أبو بكر هو صريح في الظهار، وهو قول مالك، ومحمد بن الحسن. وقال ابن أبي موسى: فيه روايتان أظهرهما: أنه ليس بظهار حتى ينويه، وهذا قول أبي حنيفة والشافعي، لأن هذا اللفظ يستعمل في الكرامة أكثر مما يستعمل في التحريم، فلم ينصرف إليه بغير نية ككنايات الطلاق. انتهى منه.
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: وهذا القول هو الأظهر عندي، لأن اللفظ المذكور، لا يتعين للظهار لا عرفًا ولا لغة، إلا لقرينة تدل على قصده الظهار.
قال ابن قدامة في المغني: ووجه الأول يعني القول بأن ذلك ظهار أنه شبه امرأته بجملة أمه، فكان مشبهًا لها بظهرها، فيثبت الظهار كما لو شبهها به منفردًا.
والذي يصح عندي في قياس المذهب أنه إن وجدت قرينة تدل على الظهار مثل أن يخرجه مخرج الحلف، فيقول: إن فعلت كذا فأنت عَلَيَّ مثل أمي، أو قال ذلك حال الخضومة، والغضب فهو ظهار، لأنه إذا خرج مخرج الحلف فالحلف يراد للامتناع من شيء أو الحث عليه، وإنما يحصل ذلك بتحريمها عليه، ولأن كونها مثل أمه في صفتها أو كرامتها لا يتعلق بأذاها، ويوجب اجتنابها وهو الظهار، وإن عدم هذا فليس بظهار، لأنه محتمل لغير الظهار احتمالًا كثيرًا. فلا يتعين الظهار فيه بغير دليل. ونحو هذا قول أبي ثور. انتهى محل الغرض من المغني، وهو الأظهر فلا ينبغي العدول عنه والعلم عند الله تعالى.
المسألة السابعة: أظهر أقوال أهل العلم عندي أنه إن قال: الحل عَلَيَّ حرام أو ما أحل الله علي حرام، أو ما أنقلب إليه حرام وكانت له امرأة أنه يكون مظاهرًا، وذلك لدخول الزوجة في عموم الصيغ المذكورة.
قال في المغني: نص على ذلك أحمد في الصور الثلاث. اهـ. وهو ظاهر.
وهذا على أقيس الأقوال، وهو كون التحريم ظهارًا، وأظهر القولين عندي فيمن قال: ما أحل الله من أهل ومال حرام على أنه يلزمه الظهار، مع لزوم ما يلزم في تحريم ما أحل الله من مال، وهو كفارة يمين عند من يقول بذلك، وعليه فتلزمه كفارة ظهار وكفارة يمين.
وهذا الذي استظهرنا هو الذي اختاره ابن عقيل خلافًا لما نقله في المغني عن أحمد ونصره من أنه يكفي فيه كفارة الظهار عن كفارة اليمينن والعلم عند الله تعالى.
المسألة الثامنة: أظهر أقوال أهل العلم عندي فيمن قال: لامرأته أنت طالق كظهر أمي، أن الطلاق إن كان بائنًا بانت به، ولا يقع ظهار بقوله: كظهر أمي، لأن تلفظه بذلك وقع، وهي أجنبية فهو كالظهار من الأجنبية، وإن كان الطلاق رجعيًا، ونوى بقوله كظهر أمي الظهار كان مظاهرًا، لأن الرجعية زوجة يلحقها الظهار والطلاق، وإن لم ينوبه الظهار، فلا يكون ظهارًا، لأنه أتى بصريح الطلاق أولًا، وجعل قوله: كظهر أمي صفة له، وصريح الطلاق لا ينصرف إلى الظهار. ونقل في المغني هذا الذي استظهرنا عن القاضي. وقال: وهو مذهب الشافعي. وأما لو قدم الظهار على الطلاق فقال: أنت عَلَيَّ كظهر أمي طالق، فالأظهر وقوع الظهار والطلاق معًا سواء كان الطلاق بائنًا أو رجعيًا، لأن الظهار لا يرفع الزوجية، ولا تحصل به البينونة، لأن الكفارة ترفع حكمه، فلا يمنع وقوع الطلاق على المظاهر منها. والعلم عند الله تعالى.
المسألة العاشرة: أظهر أقوال أهل العلم عندي: أنه إن شبه أي عضو من امرأته بظهر أمه، أو بأي عضو من أعضائها، فهو مظاهر لحصول معنى تحريم الزوجة بذلك. وسواء كان عضو الأم يجوز له النظر إليه كرأسها ويدها أو لا يجوز له كفرجها وفخذها، وهذا قول مالك، والشافعي، وإحدى الروايتين عن أحمد، ورواية أخرى: أنه لا يكون مظاهرًا، حتى يشبه جملة امرأته، لأنه لو حلف بالله لا يمس عضوًا معينًا منها لم يسر إلى غيره من أعضائها، فكذلك المظاهرة، ولأن هذا ليس بمنصوص عليه، ولا هو في معنى المنصوص، وعن أبي حنيفة: إن شبهها بما يحرم النظر إليه من الأم كالفخذ والفرج فهو ظهار، وإن شبهها بما يجوز النظر إليه، كاليد والرأس فليس بظهار، لأن التشبيه بعضو يحل النظر كالتشبيه بعضو زوجة له أخرى، فلا يحصل به الظهار، وإنما استظهرنا أنه ظهار مطلقًا، لأن معنى التحريم حاصل به، فهو في معنى صريح الظهار فقولهم: ولا هو في معنى المنصوص ليس بمسلم، بل هو في معناه، وقياسه على حلفه بالله لا يمس عضوًا معينًا منها ظاهر السقوط، لأن معنى التحريم يحصل ببعض، والحلف عن بعض لا يسري إلى بعض آخر، كما ترى. وقول أبي حنيفة: إنه العضو الذي يحل النظر إليه: لا يحصل الظهار بالتشبيه به غير مسلم أيضًا، لأنه وإن جاز النظر إليه فإن التلذذ به حرام، والتلذذ هو المستفاد عن عقد النكاح، فالتشبيه به مستلزم للتحريم، والظهار هو نفس التحريم بواسطة التشبيه بعضو الأم المحرم.
واعلم أن القول بأن الظهار يحصل بقوله: شعرك، أو ريقك، أو كلامك علَيَّ كظهر أمي، له وجه قوي من النظر، لأن الشعر من محاسن النساء التي يتلذذ بها الأزواج كما بيناه في سورة الحج، وكذلك الريق فإن الزوج يمصه ويتلذذ به من امرأته، وكذلك الكلام كما هو معروف.
وأما لو قال لها: سعالك أو بصاقك، أو نحو ذلك عَلَيَّ كظهر أمي، فالظاهر أن ذلك ليس بشيء، لأن السعال والبصاق وما يجري مجراهما، كالدمع ليس مما يتمتع به عادة والعلم عند الله تعالى.
المسألة الحادية عشرة: اختلف العلماء فيمن قال لأمته: أنت عَلَيَّ كظهر أمي، أو قال ذلك لأم ولده، فقال بعض أهل العلم: لا يصح الظهار من المملوكة، وهو مروي عن ابن عمر، وعبد الله بن عمرو، وسعيد بن المسيب، ومجاهد، والشعبي، وربيعة، والأوزاعي، والشافعي، وأبي حنيفة وأصحابه، وأحمد، وقال بعضهم: يصح الظهار من الأمة أم ولد كانت أو غيرها، وهو مذهب مالك وهو مروي أيضًا عن الحسن، وعكرمة والنخعي، وعمرو بن دينار، وسليمان بن يسار، والزهري، والحكم، والثوري، وقتادة، وهو رواية عن أحمد، وعن الحسن، والأوزاعي: إن كان يطؤها فهو ظهار، وإلا فلا. وعن عطاء: إن ظاهر من أمته، فعليه نصف كفارة الظهار من الحرة.
واحتج الذين قالوا: إن الأمة لا يصح الظهار منها بأدلة:
منها: أنهم زعموا أن قوله: يظاهرون من نسائهم يختص بالأزواج دون الإماء.
ومنها: أن الظهار لفظ يتعلق به تحريم الزوجة فلا تدخل فيه الأمة قياسًا على الطلاق.
ومنها: أن الظهار كان طلاقًا في الجاهلية، فنقل حكمه، وبقي محله، ومحل الطلاق الأزواج دون الإماء.
ومنها: أن تحريم الأمة تحريم لمباح من ماله، فكانت فيه كفارة يمين كتحريم سائر ماله عند من يقول: بأن تحريم المال فيه كفارة يمين كما تقدم في سورة الحج.
قالوا: ومنها أن النبي صلى الله عليه وسلم حرم جاريته مارية، فلم يلزمه ظهار بل كفارة يمين، كما قال تعالى في تحريمه إياها: {يا أيها النبي لمَ تُحَرّمُ مَآ أَحَلَّ الله لَكَ} [التحريم: 1]، ثم قال: {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحلَّةَ أَيْمَانكُمْ} [التحريم: 2] الآية.
واحتج القائلون بصحة الظهار من الأمة بدخولها في عموم قوله تعالى: {والذين يُظَاهرُونَ من نّسَآئهمْ} [المجادلة: 3] قالوا: وإماؤهم من نسائهم، لأن تمتعهم بإمائهم من تمتعهم بنسائهم قالوا: ولأن الأمة يباح وطؤها، كالزوجة فصح الظهار منها كالزوجة، قالوا: وقوله تعالى: {يا أيها النبي لمَ تُحَرّم} [التحريم: 1] نزلت في تحريمة صلى الله عليه وسلم في تحريمه صلى الله عليه وسلم شرب العسل في القصة المشهورة، لا في تحريم الجارية وحجة الحسن والأوزاعي، وحجة عطاء كلتاهما واضحة مما تقدم.
وقال ابن العربي المالكي في قول مالك وأصحابه: بصحة الظهار من الأمة، وهي مسألة عسيرة علينا، لأن مالكًا يقول: إذا قال لأمته أنت علي حرام لا يلزم، فكيف يبطل فيها صريح التحريم وتضح كنايته، ولكن تدخل الأمة في عموم قوله: من نسائهم، لأنه أراد من محللاتهم.
والمعنى فيه: أنه لفظ يتعلق بالبضع دون رفع العقد، فصح في الأمة أصله الحلف بالله تعالى. اهـ. منه. بواسطة نقل القرطبي.
قال مقيدة عفا الله عنه وغفر له: لا يبعد بمقتضى الصناعة الأصولية، والمقرر في علوم القرآن: أن يكون هناك فرق بين تحريم الأمة وتحريم الزوجة.
وإيضاح ذلك: أن قوله تعالى: {لمَ تُحَرّم مَآ أَحَلَّ الله لَكَ} [التحريم: 1] جاء في بعض الروايات الصحيحة في السنن وغيرها، أنه نزل في تحريم النبي صلى الله عليه وسلم جاريته مارية أم إبراهيم، وإن كان جاء في الروايات الثابتة في الصحيحين: أنه نزل في تحريمه العسل الذي كان شربه عند بعض نسائه، وقصة ذلك مشهورة صحيحة، لأن المقرر في علوم القرآن أنه إذا ثبت نزول الآية في شيء معين، ثم ثبت بسند آخر صحيح أنها نزلت في شيء آخر معين غير الأول، وجب حملها على أنها نزلت فيهما معًا، فيكون لنزولها سببان، كنزول آية اللعان في عويمر، وهلال معًا.
وبه تعلم أن ذلك يلزمه أن يقال: إن قوله تعالى: {يا أيها النبي لمَ تُحَرّم مَآ أَحَلَّ الله لَك} [التحريم: 1] الآية نزل في تحريمه صلى الله عليه وسلم العسل على نفسه، وفي تحريمه جاريته، وإذا علمت بذلك نزول قوله: لم تحرم، في تحريم الجارية: علمت أن القرآن دل على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهارًا منها وأنه تلزم فيه كفارة يمين، كما صح عن ابن عباس ومن وافقه، وقد قال ابن عباس: لما بين أن فيه كفارة يمين: {لَّقَدْ كَانَ لَكُمْ في رَسُول الله أُسْوَةٌ حَسَنَةٌ} [الأحزاب: 21]، ومعناه: أن النبي صلى الله عليه وسلم كفر عن تحريمه جاريته كفارة يمين، لأن الله تعالى قال: {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحلَّةَ أَيْمَانكُمْ} [التحريم: 2] بعد تحريمه جاريته المذكورة في قوله: {لمَ تُحَرّم مَآ أَحَلَّ الله لَك} [التحريم: 1] ومن قال من أهل العلم: إن من حرم جاريته لا تلزمه كفارة يمين، وإنما يلزمه الاستغفار فقط، فقد احتج بقوله تعالى: {والله غَفُورٌ رَّحيمٌ} [التحريم: 2] بعد قوله: لم تحرم، وقال إن النبي صلى الله عليه وسلم لما حرم جاريته قال مع ذلك: «والله لا أعود إليها» وهذه اليمين هي التي نزل في شأنها {قَدْ فَرَضَ الله لَكُمْ تَحلَّةَ أَيْمَانكُمْ} [التحريم: 2]، ولم تنزل في مطلق تحريم الجارية، واليمين المذكورة، مع التحريم في قصة الجارية قال في نيل الأوطار: رواها الطبراني بسند صحيح عن زيد بن أسلم. التابعي المشهور، لكنه أرسله. اهـ. وكذلك رواه عنه ابن جرير.
وقال ابن كثير في تفسير: إن الهيثم بن كليب رواه في مسنده بسند صحيح وساق السند المذكور عن عمر رضي الله عنه، والمتن فيه التحريم واليمين كما ذكرنا، وعلى ما ذكرنا من أن آية: {لمَ تُحَرّم مَآ أَحَلَّ الله لَكَ} نزلت في تحريمه صلى الله عليه وسلم جاريته، فالفرق بين تحريم الجارية، والزوجة ظاهر، لأن آية لم تحرم دلت على أن تحريم الجارية لا يحرمها، ولا يكون ظهارًا وآية: {والذين يُظَاهرُونَ من نّسَآئهمْ ثُمَّ يَعُودُونَ لمَا قَالُوا فَتَحْريرُ رَقَبَةٍ} [المجادلة: 3] الآية. دلت على أن تحريم الزوجة تلزم فيه كفارة الظهار المنصوص عليها في المجادلة لأن معنى {يُظَاهرُونَ من نّسَآئهم} على جميع القراءات هو أن يقول أحدهم لامرأته: أنت عَلَيَّ كظهر أمي معناه أنت عليَّ حرام، كما تقدم إيضاحه، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة، كما تقدم إيضاحه، وعلى هذا فقد دلت آية التحريم على حكم تحريم الأمة، وآية المجادلة على حكم تحريم الزوجة، وهما حكمان متغايران كما ترى، ومعلوم أن ابن عباس رضي الله عنهما لم يقل بالفرق بينهما بل قال: إن حكم تحريم الزوجة، كحكم تحريم الجارية المنصوص في آية التحريم، ونحن نقول: إن آية الظهار تدل بفحواها على أن تحريم الزوجة ظهار، لأن أنت عليَّ كظهر أمي، وأنت عليَّ حرام معناهما واحد كما لا يخفى، وعلى هذا الذي ذكرنا فلا يصح الظهار من الأمة، وإنما يلزم في تحريمها بظهار، أو بصريح التحريم كفارة يمين أو الاستغفار كما تقدم، وهذا أقرب لظاهر القرآن، وإن كان كثير من العلماء على خلافه.